المؤسسات التابعة
مركز فؤاد نصار
جيش التحرير الفلسطيني
ــــــــــــــــــــــــــــ
نهى منصور*
لم يعد توسل فلسطين أو تسولها يعيدها إلى أصحابها، كما لم تجد عشرات القرارات الدولية القاضية بإعادة الشعب الفلسطيني إلى بلاده. ما أوصل الشعب الفلسطيني إلى الإيمان بضرورة استعانته بالكفاح المسلح، من أجل تحقيق طموحاته الوطنية.
لقد تضافرت عوامل عدة، فأخرجت "منظمة التحرير الفلسطينية" إلى حيِّز الوجود وعمدت قيادة هذه المنظمة، من فورها، إلى تأسيس "جيش التحرير الفلسطيني"، ضمن الأعمدة الثلاثة الرئيسية، وذراعاً مسلحاً لهذه المنظمة.
خلفية تاريخية:
خاض الشعب الفلسطيني، قبل انطلاق حركة المقاومة المعاصرة، ثلاث تجارب مسلحة، ذات أهمية خاصة، هي: ثورة 1936-1939، وحرب 1948، والعمليات الفدائية في النصف الأول من خمسينات القرن العشرين. وقد ورثت حركة المقاومة المعاصرة دروساً وسمات من كل تجربة سابقة، وهو ما أثر على اختيارها أساليبها.(1)
ثورة 1936-1939:
مرت الثورة الوطنية الكبرى (1936-1939) بثلاث مراحل متميزة، شملت النشاط العسكري والسياسي، غير المنظم، وغير المنسق، نسبياً، عام 1936، وأوج المجابهة المدنية والمسلحة، بين أواخر 1937، وأواخر 1938، قبل الانهيار النهائي، تحت ضغط القوة العسكرية البريطانية المتفوقة، في 1939. وقد تميزت هذه المواجهة الطويلة بالسمات التالية:(2)
(1) كانت المجموعة الأولى، التي انطلقت بالعمل العسكري، هي تلك التي نظمها، وقادها الشيخ عز الدين القسام، في عام 1935. ولم تكن أهمية تجربته بالنتائج الميدانية، نظراً لاستشهاده، وزوال المجموعة، بعد أسبوع واحد من الانطلاق فحسب بل إنه، أيضاً، كرس سنوات لبناء شبكة تنظيمية محكمة، كأساس للتحرك القادم.
(2) عانى المجاهدون الذين خاضوا الثورة الكبرى، من نقص فادح في الأسلحة، والتدريب، والقيادة، ولم تتطور قدراتهم العسكرية، إلا بعد قدوم فوزي القاوقجي* صيف عام 1936.
(3) شهدت المرحلة الثانية من الثورة تحسناً ملحوظاً في تنسيق العمل العسكري السياسي، على الصعيد المحلي، والتكتيكي، لكن حالة الفوضى والتشرذم القيادية استمرت، على الصعيد الوطني العام.
(4) عاشت المرحلة الأخيرة في الثورة نكوص المجاهدين، تحت ضغط تفوق القوات البريطانية، في التجهيز والعدد، فضلاً عن الصراعات داخل المجتمع الفلسطيني، وغياب القيادة، ونقص السلاح، والذخيرة. ما أدى إلى إحباط الثورة.
حرب 1948:
اختلفت هذه التجربة عن سابقتها، بسبب التغيرات في طبيعة القوى المشاركة، وفي نمط القتال، وانحصر هنا العدو الأول في الجماعات الصهيونية، التي شهدت نمواً مطرداً في عدد المقاتلين، والمستوطنين اليهود، وفي حجم التسليح، ونوعه. وشهدت الحرب اشتراك الدول العربية المجاورة لفلسطين، وهو ما قلَّص الدور السياسي، والعسكري للشعب الفلسطيني، وظل مقيداً بحدود الوضع الاستراتيجي العربي وسلبياته، كفقدان التنسيق، وإهمال دور الأهالي المحليين، وانقسمت القوات الفلسطينية والعربية شبه النظامية إلى مجموعتين: "قوات الجهاد المقدس"، و "جيش الإنقاذ". وركزت هذه القوات على المهام الدفاعية، ما نتج عنه تكبد خسائر فادحة في الطرف العربي.(3)
الفدائيون:
اختلفت تجربة الفدائيين، في خمسينات القرن العشرين، كثيراً عن تجربتي الثورة الكبرى، وحرب 1948، فكانت دولة إسرائيل، التي قامت على الجزء الأكبر من التراب الوطني الفلسطيني، وأصبح الشعب الفلسطيني منقسماً إلى عدة تجمعات: فمنهم من بقي في دياره تحت الاحتلال الإسرائيلي، أو الإدارة المصرية أو الأردنية، ومنهم من قبع في مخيمات في الضفة الغربية، وقطاع غزة، ومنهم من استقر في الأقطار العربية المجاورة لفلسطين.
وقد تميز نشاط الفدائيين، خلال النصف الأول من خمسينات القرن العشرين، باتباع أساليب العمل السري، نظراً لافتقار هذا العمل للأرض، وتبعثر الكثير من الأُطر الاجتماعية والسياسية الفلسطينية، التي تتيح تنظيم المقاومة المسلحة لأي احتلال، ويجدر تقسيم العمل الفدائي في خمسينات القرن العشرين، إلى صنفين:
أولهما: تألف من أعمال التسلل العفوية، التي قام بها الأفراد، فيما تألف ثانيهما من العمليات العسكرية المنظمة، التي قامت بها مجموعات سرية، وانطلق الصنفان من خارج الأراضي التي احتلتها إسرائيل. وقد تقلص الأول، تدريجياً، ونما الثاني، مع مرور الوقت.(4)
النواة:
لا شك في أن جيش التحرير الفلسطيني لم يقم من فراغ، بل سبقته محاولات محدودة في دول عربية عدة، لإقامة وحدات عسكرية فلسطينية، من بينها "الكتيبة 141"، و"كتيبة الاستطلاع 68"، و"فوج التحرير".
"الكتيبة 141" فدائيين: لقد كان لشن القوات الإسرائيلية غارات مسلحة متوالية ضد التجمعات الفلسطينية في قطاع غزة، وخاصة اعتداء 28 شباط 1955، والتي قامت به الكتيبة (101) الإسرائيلية، التي أسسها وتولى تدريبها، أرئيل شارون، بالإضافة إلى "مشروع شمال غرب سيناء"، الذي هدف إلى توطين 60 ألف فلسطيني في صحراء سيناء، ما أدى إلى قيام شعب القطاع بانتفاضة، طالب فيها برفض هذا المشروع، وتشكيل جيش عربي ـ فلسطيني، وهو ما أدى إلى حضور الزعيم جمال عبد الناصر إلى غزة، وتشكيل قوات الفدائيين الفلسطينيين، والتي تحولت إلى وحدات، ثم إلى كتيبة 141، والتي تولى أمرها مدير المخابرات الحربية المصرية في قطاع غزة، البكباشي (المقدم) مصطفى حافظ، وقد قامت هذه الكتيبة بعديد من العمليات الفدائية داخل الأراضي المحتلة، وأرهقت القوات الإسرائيلية، وأقلقت إسرائيل على كيانها، وبدأ الإسرائيليون يبحثون عمن وراء كل هذه العمليات. التقت كل الأسهم عند البكباشي (المقدم) مصطفى حافظ، وبدأ التخطيط لاغتياله، حتى تم اغتياله، بالفعل، في يوم 11 تموز 1956. بعد أن تمكنت عناصر الكتيبة 141 من قتل نحو 1400 صهيونياً، ما جعلها تؤكد إمكانية توجيه ضربات قاصمة للعدو الصهيوني، عدا عن ضرورة هذه الضربات، فحثت أعمال هذه الكتيبة أبناء الشعب الفلسطيني على التحرك في هذا الاتجاه.(5)
في سوريا: على غرار الاستخبارات المصرية، أنشأت المخابرات العسكرية السورية، بناءً على أوامر عبد الحميد السراج،** "كتيبة الاستطلاع 68"، في كانون الأول 1955، وكان أبرز رجالها الفلسطيني محمد خليفة (أبو عبد الله) والضابط السوري أكرم الصفدي. وبرز في أحداث 1958 في لبنان، من أعضاء هذه الكتيبة، جلال كعوش، ونفذت هذه الكتيبة بعض العمليات في الجليل، وغور طبرية، ثم ضمت إلى "جيش التحرير الفلسطيني"، عند تأسيسه، في 5/9/1964.(6)
فوج التحرير:(7) لم تكن هناك محاولات في مصر وسوريا لإقامة وحدات عسكرية فلسطينية فحسب، بل انضمت إليها العراق، ففي حزيران 1959، كان الرئيس العراقي عبد الكريم قاسم دعا إلى تشكيل فوج عسكري من الفلسطينيين المقيمين في العراق، وأطلق عليه اسم "فوج التحرير"، الذي سرعان ما انضم إليه نحو 300 جندي، و50 ضابطاً من الفلسطينيين، ونسبة كبيرة من هؤلاء الضباط كانوا من قطاع غزة (39)، من المقيمين في دول الخليج، ومن فلسطينيي لبنان، والعراق، وعدد قليل من الأردن، أما جنود الفوج فكانوا من فلسطينيي العراق.
والذي دفع المتطوعين للالتحاق بهذا الفوج ظنهم بأنه سيكون نواة الحركة المسلحة الفلسطينية، التي تأخذ دوراً طليعياً في معركة التحرير، غير أن الأيام خيبت ظنهم. ففي عهد قاسم لم تزد مهمات الفوج عن الاستعراض أثناء زيارات الوفود العربية للعراق والتدريب المتكرر في معسكر الرشيد قرب بغداد.
بانقلاب 8 شباط 63، الذي أطاح بحكم القاسم، وضعت وزارة الدفاع العراقية 3 خيارات أمام ضباط الفوج: التسريح أو النقل إلى الوحدات العراقية أو البقاء في الفوج. ثم أُلحق الفوج بالوحدات العراقية العسكرية العاملة في شمال العراق، وأُبدل اسمه من "فوج التحرير" إلى "الفوج الأول/ اللواء 65 المستقل". وقد استمر ضباط الفوج في الجيش العراقي، حتى تشكيل جيش التحرير الفلسطيني.
تأسيس جيش التحرير:
وسط المعطيات المادية والسياسية، والتي شكلت الأساس التاريخي للكفاح المسلح الفلسطيني، نشأت المنظمات الفلسطينية المسلحة، في إطارين رئيسين، هما:
حركة المقاومة، ومنظمة التحرير الفلسطينية.
تألفت حركة المقاومة من ثلاث مجموعات رئيسية: حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فــتح"، حركة القوميين العرب، وجبهة تحرير فلسطين.
وجاء القرار العربي باعتماد "م.ت.ف." خلال مؤتمر القمة العربي الثاني المنعقد بالإسكندرية، في أيلول 1964. فقد قام أحمد الشقيري، مندوب فلسطين في جامعة الدول العربية، بعقد مجلس وطني فلسطيني، مكون من 388 عضواً في القدس، في 28 أيار 1964 قرر ضمن ما قرر، تأسيس "جيش التحرير الفلسطيني"، والذي كان ضمن عُمد المنظمة، المتمثلة في "الميثاق القومي"، "النظام الأساسي"، "المجلس الوطني"، "مركز الأبحاث"، "الصندوق القومي"، و"اللجنة التنفيذية".
وسرعان ما استجد قدر من التنافس، له ما يبرره، بين "م.ت.ف"، و"جيش التحرير الفلسطيني"، من جهة، وبين المنظمات الفدائية من جهة أخرى.(8)
ما قبل تأسيس الجيش:
عقد الملوك والرؤساء العرب أول مؤتمر قمة لهم، في القاهرة، يوم 13/1/1964، في سبيل بحث التدابير التي يجب اتخاذها لمواجهة المشروع الإسرائيلي لتحويل مياه نهر الأردن، وروافده وقرر المؤتمر تخويل ممثل فلسطين في جامعة الدول العربية، أحمد الشقيري، الاتصال بالدول العربية، وبشعب فلسطين في مختلف تجمعاته، من أجل إيجاد الطريقة المثلى لتنظيم شعب فلسطين وإمكاناته وطاقاته في سبيل تحرير وطنه.
قام الشقيري بزيارة بعض الدول العربية، ثم صرح، يوم 27/3/1964، بأن الكيان الفلسطيني سيقوم على أربع دعائم هي:(9)
(1) الجهاز العسكري، ومهمته تمكين القادرين على حمل السلاح من خدمة وطنهم. (2) الجهاز التنظيمي. (3) الجهاز السياسي. (4) الجهاز المالي.
المرحلة الأولى من تأسيس الجيش:
عقد المؤتمر الفلسطيني التأسيسي، الذي تحول، فيما بعد، إلى المجلس الوطني الفلسطيني في القدس، يوم 28/5/1964، وأصدر قراراته، ومؤداها في المجال العسكري:(10)
(1) البدء، فوراً، بفتح معسكرات التدريب لجميع القادرين على حمل السلاح من الشعب الفلسطيني، رجالاً، ونساءً، بصورة إلزامية.
(2) تشكيل كتائب فلسطينية، عسكرية نظامية، وأُخرى فدائية.
(3) تزويد هذه الكتائب بمختلف أنواع الأسلحة الحديثة، والتجهيزات اللازمة.
(5) السعي لإلحاق الشباب الفلسطيني بالكليات العسكرية في الدول العربية.
(6) تطبيق نظام المقاومة الشعبية، والدفاع المدني في صفوف الشعب الفلسطيني.
إلى ذلك تم افتتاح أول معسكر في قطاع غزة، في شهر أيار 1964، فيما افتتحت الحكومة الجزائرية، معسكر تدريب للفلسطينيين، وظهر أول وجود علني للجيش الفلسطيني النظامي، في احتفالات الجمهورية العربية المتحدة (مصر) بعيد الثورة، في يوم 23/7/1964، حيث اشتركت وحدات رمزية في العرض العسكري، باسم "جيش فلسطين".
أيد مؤتمر القمة العربية الثانية، الذي انعقد في الإسكندرية، يوم 5/9/1964 قرار منظمة التحرير الفلسطينية، بإنشاء جيش التحرير الفلسطيني، التابع للمنظمة، وعينت ضابطاً فلسطينياً قائداً لهذا الجيش. وبدأ تشكيل وحدات جيش التحرير الفلسطيني في سوريا والعراق ومصر والأردن، فتشكلت في سوريا "قوات حطين" (3 كتائب مغاوير ووحدات إسناد ودعم)، وفي العراق "قوات القادسية" (كتيبة مغاوير ووحدات)، وفي مصر "قوات عين جالوت" (3 كتائب ووحدات)، وتشكلت في كل من لبنان، والأردن (كتيبة مغاوير).
عقد المجلس الوطني الفلسطيني دورته الثانية، في القاهرة، في 31/5/1965، وكان ضمن ما قررته هذه الدورة جملة من القرارات العسكرية، منها:(11)
(1) الإسراع في تنفيذ التدريب الشعبي. (2) إنشاء إدارة للتعبئة العامة في المنظمة. (3) تسهيل مهمة قيادة الجيش، في اختيار الضباط والعناصر العسكرية، وانتقالهم ضمن وحدات الجيش، وفقاً للمقتضيات العسكرية. (4) فرض التجنيد الإلزامي على جميع الفلسطينيين، القادرين على حمل السلاح. (5) مضاعفة الاهتمام بتشكيلات الفدائيين، وزيادة أعدادهم. (6) الاهتمام بدور المرأة الفلسطينية في معركة التحرير، لتمكينها من العمل في المقاومة الشعبية، والخدمات الطبية.
قيادة المرحلة الأولى:
قامت اللجنة التنفيذية لـ م.ت.ف. بتعيين وجيه المدني، وهو ضابط كان يرأس حرس أمير الكويت، قائداً عاماً لجيش التحرير الفلسطيني، ورقته اللجنة إلى رتبة "لواء"، وألَّفت لجنة عسكرية ثلاثية*** وأوكلت إلى الثلاثة مهمة التفاوض مع القادة العسكريين العرب، في شأن تفصيلات تتعلق بإنشاء جيش التحرير الفلسطيني، وتسليحه. كما قامت م.ت.ف، في تشرين الأول 1964 بتعيين ضابطين فلسطينيين، يقيمان في سوريا، هما صبحي الجابي، ومحمد أبو حجلة، مستشارين عسكريين، ثم عينت الجابي رئيساً للأركان، في تموز 1965.(12)
المرحلة الثانية:(13)
ظهرت أزمة في إطار العمل العربي المشترك، تركت آثارها في تطوير جيش التحرير، كما أثرت في أعمال منظمة التحرير الفلسطينية.
برزت هذه الأزمة عام 1966، حينما اقترحت المنظمة على الأردن السماح للأولى بتطبيق التجنيد الإلزامي على الفلسطينيين وإنشاء كتائب أخرى للجيش، وظهرت بوادر الأزمة إثر اجتماع مشترك بين الجانبين الأردني والفلسطيني يوم 21/2/1966 في مقر جامعة الدول العربية بالقاهرة، وتضمن:
(1) مواصلة الحكومة الأردنية دراسة موضوع التجنيد الإلزامي.
(2) إحالة موضوع تشكيل وحدات الجيش إلى القيادة العربية المشتركة.
(3) تأليف لجنة من قيادة الجيش الأردني وجيش التحرير لدراسة موضوع تشكيل وحدات جيش التحرير الفلسطيني.
(4) إنشاء المنظمة معسكرات في فصل الصيف للتدريب العسكري في الأردن.
(5) تسليح المدن والقرى الأمامية بمساهمة مالية من المنظمة.
غير أن معظم بنود الاتفاق لم تنفذ، إذ تأزمت العلاقة بين الحكومة الأردنية والمنظمة، ما أدى إلى قطاع العلاقات بينهما، في الشهر السابع من عام 1966، فيما كان التوتر يسود العلاقات العربية بصفة عامة، وعقد المجلس الوطني الفلسطيني دورته الثالثة، في غزة، 20/5/66 وأصدر عدة قرارات منها ما يخص جيش التحرير:
(1) مناشدة الدول العربية الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه قيادة الجيش.
(2) تحويل إيرادات "الصندوق القومي" إلى حساب "جيش التحرير".
(3) وضع الدائرة العسكرية في قيادة المنظمة تحت إشراف قيادة الجيش.
على الرغم من الصعوبات التي واجهها "جيش التحرير الفلسطيني" في مرحلة تأسيسه، فإن قيادته استطاعت أن توفر لأفراده مستوىً تدريبياً عسكرياً جيداً فتخرجت الدفعات الأولى من ضباط الجيش من الكليات العسكرية العربية، وتم إرسال بعثات تعليمية للانتساب إلى كليات عسكرية في الدول الاشتراكية الصديقة، وخصصت المنظمة 85% من موازنتها للجيش، فمعظم الدول العربية لم تدفع حصصها المالية. ويمكن القول إن عام 66 شهد تطويراً لوضع الجيش ولكنه شهد، في الوقت ذاته صعوبات أثرت سلباً في تنفيذ المرحلة الثانية من إنشائه.
الجيش في حرب 1967:
كان تطور الجيش وتسليمه يسيران ببطء، بسبب الصعوبات التي واجهها، وقد جابه هذا الجيش، في عام 1967، ثلاثة أحداث هامة، أثرت في تنفيذ المرحلة الثانية من خطة إنشائه:(14)
(1) إصدار رئيس م.ت.ف. الشقيري، في 1/2/1967 بياناً، في القاهرة، أعلن فيه تشكيل "مجلس قيادة الثورة"، وقرر هذا المجلس تطوير جيش التحرير، بحيث يصبح جيشاً ثورياً، وتطوير موازنته، وتشكيله، وجميع شؤونه. وقرر "مجلس الثورة" إخضاع الجيش لسلطة مجلس تحرير، يضم خيرة الكفاءات العسكرية العربية، ولكن قيادة الجيش لم تقبل، واعتبرت مجلس التحرير سلطة تنقص من مسؤولياتها في قيادة الجيش.
(2) نشوب حرب 1967، وكانت أول تجربة هامة للجيش، الذي خاض الحرب، خاصة في قطاع غزة. وكانت منظمة التحرير وضعت قوات الجيش، في شهر أيار 1967، تحت تصرف القيادة السورية (قوات حطين) والقيادة العراقية (قوات القادسية) والقيادة المصرية (قوات عين جالوت) لإشراكها في المعركة ضد العدو الإسرائيلي، إذا ما شن عدوانه.
(3) استقالة أحمد الشقيري من رئاسة م.ت.ف. في 24/12/1967 وتولى يحيى حمودة رئاسة المنظمة، بالوكالة.
في أيلول 1967 جمع وجيه المدني الضباط، وأوضح لهم بأنه لابد من التحول للعمل الفدائي، وطلب متطوعين من بين الضباط، اختير من بينهم عشرة ضباط، وهم:(15) فايز جراد، وليد أبو شعبان، حسن أبو لبدة، أحمد صرصور، يحيى رفيق عكيلة، صائب العاجز، عمر عاشور، ويرجس ديب إحجير. انتقلوا جميعاً إلى الأردن، وقادهم فايز الترك، على أساس أن يلتحقوا بقوات الداخل، التي يقودها كل من مصباح صقر، ووليد أبو شعبان، وحسين الخطيب، ونمر حجاج. إلا أن المخابرات السورية اعتقلت المجموعة المتجهة من القاهرة إلى الأردن، عبر سوريا وإن أعادوا الكرة، عن طريق بغداد، في مطلع تشرين الثاني من العام نفسه. ونقلتهم سيارات الجيش العراقي من بغداد إلى عمان، وتشكلت مجموعات "قوات التحرير الشعبية"، ودخلت إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، وفق الاتصال بمصباح صقر، منذ شباط 1968. وبنت "قوات التحرير الشعبية" ثلاث قواعد في الكرامة، بقيادة نمر حجاج، والقطاع الأوسط بقيادة أحمد صرصور، والمنطقة الشمالية بقيادة يحيى مرتجى، مع نقطة صغيرة في الكرك، وافتتحت مركز تدريب في جرش، وتولى قيادته وليد أبو شعبان، ثم فايز جراد، فأحمد صرصور، وأخيراً محمد رزق أبو عبده، وقد سقط من "قوات التحرير الشعبية" 24 شهيداً في معركة الكرامة (21/3/68). وفي هذه المعركة قاد مقاتلو "قوات التحرير الشعبية" صائب العاجز، وكان على رأس الشهداء، شحته طبيل، وتولى قيادة التحرير لاحقاً، فايز الترك ثم بهجت الأمين وعبد العزيز الوجيه، ثم بهجت الأمين من جديد.
المرحلة الثالثة:
كان من الطبيعي أن يؤثر تغير بنية م.ت.ف. واستحواذ منظمات المقاومة على قيادتها، في صيف 68، في مواقف قيادة الجيش من مختلف القضايا الفلسطينية، مثل الوحدة الوطنية، والعمل الفدائي، وبغية تنظيم العلاقة بين قيادة الجيش وقيادة المنظمة، اتخذ المجلس الوطني الفلسطيني، في دورته الرابعة بالقاهرة (10/7/1968) قرارين هامين في المجال العسكري:(16)
(1) دعم جيش التحرير، وزيادة حجمه وتطويره وتكليف اللجنة التنفيذية للمنظمة لاتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لذلك.
(2) تعديل المادة 22 من النظام الأساسي للمنظمة، ونصها:**** "تشكيل وحدات فلسطينية، وفق الحاجات العسكرية، والخطة التي تقررها القيادة العربية الموحدة، بالاتفاق والتعاون مع الدول العربية المعنية، بحيث تنشئ المنظمة جيشاً من أبناء فلسطين يعرف (بجيش التحرير الفلسطيني، وتكون له قيادة مستقلة، تعمل تحت إشراف اللجنة التنفيذية) وواجبه القومي أن يكون الطليعة لخوض معركة تحرير فلسطين، وكان القصد من هذه التدابير ربط قيادة الجيش بقيادة المنظمة، استقلال قيادة الجيش في إدارة قواتها، المتمركزة في عدة أقطار عربية.
رأت اللجنة التنفيذية الجديدة أن المرحلة الجديدة تتطلب إجراء تغييرات في مناصب قيادة الجيش، فعينت، في شهر تموز 1968، رئيساً جديداً لهيئة أركان الجيش، وهو عبد الرزاق اليحيى، كما عينت، في 14/12/1968، رئيساً جديداً لهيئة أركان العامة، ومنحته اختصاصات القائد العام للجيش.
ما بعد الشقيري:
في مرحلة ما بعد الشقيري وبسبب تركيبة جيش التحرير الفلسطيني، وتأثير الدول العربية المتواجد فيها على قراراته، إلى حد اتخاذ مواقف متعارضة مع مواقف اللجنة التنفيذية للمنظمة، حدث تمرد في "قوات حطين" المرابطة في سوريا، على قيادة المنظمة، وذلك في شهر تموز 1968، حين أصدرت القيادة العامة لجيش التحرير بياناً، دعت فيه اللجنة التنفيذية إلى عدم التدخل في شؤون الجيش، حيث ردت اللجنة التنفيذية على تصرف القيادة العامة بأن أسندت منصب رئيس الأركان للعميد عبد الرزاق اليحيى، خلفاً للعميد صبحي الجابي، واتهمت،كعادة المنظمة، بعض الضباط بالتمرد وباقتحام مكتب المنظمة في دمشق، وباحتجاز رئيس الأركان الجديد لمدة يومين، ثم أوقفت اللجنة التنفيذية صرف رواتب الضباط والجنود هناك، قبل التوسط بين الجانبين، نجحت في إطفاء التمرد وتم إخلاء سبيل اليحيى من قبل المتمردين، وتم الاتفاق بين المتمردين وقيادة المنظمة على تعيين قيادة جديدة للجيش، في أواخر عام 1968، وكان هذا التمرد نتيجة سيطرة الدول العربية المعنية على وحدات الجيش الموجودة على أراضيها، ونتيجة لعدم قدرة القيادة السياسية للمنظمة على التحكم بتوجيه الجيش، أو تنظيمه.(17)
عقد المجلس الوطني الفلسطيني دورته الخامسة، في القاهرة، في 1/2/1969، وانتخب لجنة تنفيذية جديدة، برئاسة "ياسر عرفات"، الذي شغل منصب رئاسة الدائرة العسكرية أيضاً وكان أول عمل قام به هو زيارة "قوات عين جالوت" المرابطة على قناة السويس مع القوات المصرية، و"قوات القادسية" المرابطة في الأردن مع القوات العراقية، و"قوات حطين" في سوريا.(18)
مرحلة العمليات:
ظهرت نتائج التغييرات في قيادة الجيش، حينما شاركت قواته في عملية "الحزام الأخضر" ضد العدو الإسرائيلي، في آب 1969 حيث قامت قوت القادسية في الأردن، بالاشتراك مع "قوات التحرير الشعبية"، و"قوات العاصفة"، بتنفيذ هذه العملية الناجحة على جبهة طولها 7 كيلو مترات من خط المواجهة، بين الأردن وإسرائيل، وكان حجم القوات المشتركة في هذه العملية أكبر حجم شهدته عمليات المقاومة الفلسطينية، حتى ذلك الوقت.
تلتها "عملية البكر"، حين قامت مجموعة من "جيش التحرير الفلسطيني" وقوات التحرير الفلسطيني الشعبية، في أيلول 1969، بالهجوم على مراكز دفاع العدو على جبهة طولها 10 كيلو مترات، من خط المواجهة بين الأردن وإسرائيل. تلتها عمليات "جيش التحرير الفلسطيني"، بالاشتراك مع "قوات التحرير الشعبية"، ومنظمات المقاومة الأخرى. بالإضافة إلى إسهام جيش التحرير، و"قوات التحرير الشعبية" في معارك حركة المقاومة الفلسطينية، خلال الأزمات التي واجهتها الحركة في لبنان، خلال شهري نيسان وتشرين الثاني 1969، وأثناء أحداث الأردن، في أيلول 1970. إثر ذلك قررت اللجنة التنفيذية للمنظمة، يوم 16/9/1970، وقبل اندلاع أحداث الأردن بيوم واحد، توحيد جميع قوات الثورة الفلسطينية، (جيش التحرير، وقوات التحرير الشعبية، وقوات الفدائيين، والقوات التابعة لمنظمات المقاومة، وقوات الميليشيا) تحت قيادة واحدة، وتعيين ياسر عرفات قائداً عاماً لقوات الثورة الفلسطينية.
في حرب 1973:
عندما نشبت حرب تشرين أول 73، كان لوحدات جيش التحرير الفلسطيني دور مهم في المعارك، التي دارت على الجبهتين السورية والمصرية، وقد اختلف الدور الذي قامت به وحدات جيش التحرير الفلسطيني في حرب 1973، تبعاً للجبهة التي تواجدت فيها هذه الوحدات، عند نشوب الحرب. تكونت قوات هذا الجيش من كتائب مشاة نظامية، مسلحة بأسلحة خفيفة ومتوسطة، تمتعت بتدريب جيد، ومعرفة بالأراضي المحتلة، قادرة على القيام بمهام وحدات المغاوير، المحمولة بالحوامات، والمشاة المرافقة للدبابات، ومهام التخريب وراء خطوط العدو. وكانت هذه الكتائب، عند اندلاع حرب 1973 موزعة على الجبهات العربية كالتالي:(19)
(1) كتيبة مصعب بن عمير: التي توزعت وحداتها على الحدود اللبنانية الإسرائيلية وأسندت إليها المهام التالية:
ـ العمل خلف خطوط العدو، بنصب الكمائن، وزرع الألغام، وتنفيذ الغارات على تجمعات العدو.
ـ قصف تجمعات القوات الإسرائيلية في المعسكرات، وتدمير جهاز الرادار في جبل الجرمق.
ـ الدفاع عن محور حاصبيا ـ ميمي ـ راشيا الوادي، محور مرج الزهور ـ المصنع بغرض إعاقة أية وحدات للعدو، تحاول التقدم في العرقوب.
(2) قوات حطين، التي نفذت بعض المهام القتالية، بشكل مستقل، أو كجزء من الجيش السوري. وأهم أعمالها الاشتراك في الهجوم، مع قوات الفرقتين التاسعة والخامسة، السوريتين (مشاة)، وتنفيذ عملية الإنزال بالحوامات على تل الفرس، والإغارة على مؤخرات القوات المعادية، بعد توغلها على جيب سعسع. وتألفت "قوات حطين" من ثلاث كتائب (كتيبة 411 وكتيبة 412 وكتيبة 413) وبلغت خسائرها 44 شهيداً و65 جريحاً.
(3) قوات القادسية، التي بقيت مؤلفة من كتيبتين، في احتياطي قيادة جيش التحرير، وتمركزت في بعض المناطق الهامة في عمق الجبهة السورية، ولم تستخدم هذه القوات في المجابهة المباشرة مع العدو، بل كانت مكلفة بإحباط أية محاولة للعدو للضرب في العمق، والتصدي لأية محاولة إنزال جوي.
(4) كتيبة زيد بن حارثة، التي التحقت بالفرقة الأولى للمشاة (الأردنية)، ونظراً لعدم اشتراك الجبهة الأردنية في القتال، بقيت هذه الكتيبة في مواقعها الدفاعية، تقوم بأعمال الدوريات والكمائن في الخطوط الأمامية.
(5) قوات عين جالوت، التي عملت بإمرة قيادة الجيش المصري، وكانت، قبل اندلاع الحرب، متمركزة على قناة السويس، وقد أسندت إلى هذه القوات مهام ضمن خطة العمليات على الجبهة المصرية، لأنها وحدات مشاة خفيفة، تم إلحاقها بالجيش المصري الثالث، الذي أسندت إليه مهمة الدفاع عن الضفاف الغربية للبحيرات المرة، بين كبريت وكسفريت. وبعد عبور قوات الجيش المصري قناة السويس، بقيت قوات عين جالوت ضمن مؤخرة الجيش، ووحداته الإدارية، مع الوحدات العربية الأخرى (الكويتية، المغربية)، وأسندت إليها مهمة الدفاع خلف منطقة العبور وقامت قوات عين جالوت بدفع عدة مجموعات استطلاع أمام منطقة دفاعها، إلى الشمال. وتمكنت هذه المجموعات من التبليغ عن الأعمال الأولى للخرق الإسرائيلي في منطقة الدفرسوار، يوم 16/10/1973، كما قامت بالتصدي للوحدات الإسرائيلية التي تسللت خلف مواقعها، وخسرت قوات عين جالوت 30 شهيداً، و70 جريحاً، وعدداً من المفقودين.
أوضاع الجيش:
الفكر العسكري:
أُنشئ "جيش التحرير الفلسطيني" ليكون قوة نظامية، وفدائية، في آن، وتنوعت النظرة إلى وظيفته، حسب بلد منشأ كل وحدة من وحداته، فكانت "قوات عين جالوت" مسؤولة عن الدفاع عن قطاع غزة، مع القوات المصرية، و"قوات القادسية" في العراق، وتدريب "قوات حطين" في سوريا.(19)
حجم الجيش:
انطلق "جيش التحرير الفلسطيني"، خلال السنة الأولى من تشكيله، بقوة إجمالية، راوحت بين 4,000 و5,000 رجل، وقد توسع، تدريجياً، حتى بلغ قوامه 12000 رجل، عشية حرب 1967.
وواجه الجيش، عقب خسارة التجمعات البشرية الرئيسية في قطاع غزة والضفة الغربية، ظروفاً صعبة، فانخفضت قواته إلى 5500 رجل، في الفترة من 1964-1976، إلا أنه ظل يستقطب المتطوعين من الأراضي المحتلة، وطبَّق التجنيد الإلزامي على الفلسطينيين في سوريا ما أدى إلى زيادة تعداده، في 1968-1970، إلى 6,600 رجل، وأضيف إليه فدائيو "قوات التحرير الشعبية"، استقر حجم الجيش في سبعينات القرن العشرين على 8000 رجل، وحدثت تقلبات في فترة 78ـ1982 وارتفع حجم الجيش إلى 12000 رجل، ثم استقر بين 8000-9000 رجل.(20)
التنظيم:
كانت أكبر وحداته فرقة المشاة "20"، التي ضمت لوائي المشاة 108، 109، وكتيبة صاعقة (نواة اللواء 100)، وشمل كل لواء ثلاث كتائب مشاة، وكتيبة دبابات، وكتيبة مدفعية.
تألفت كل كتيبة من ثلاث سرايا. أما لواء حطين فتأسس من نواة، هي كتيبة استطلاع فلسطينية، تابعة للجيش السوري، وتوسع، ليشمل ثلاث كتائب مشاة، بين عامي 1965-1967.
وأُنشئت "قوات القادسية" من كتيبة واحدة، مدربة كقوة صاعقة، وبعد حرب 1967 حدثت تغييرات في التنظيم، منها زوال فرقة المشاة 20، وإنشاء "لواء عين جالوت" عوضاً عنها، وتألف من أربع كتائب.
ثم تأسست "قوات التحرير الشعبية" مطلع 1968، ورافق ذلك قبول المتطوعين في "قوات القادسية"، وأصبح هناك كتيبتان (421-422)، وتحولت إلى "كتيبة زيد بن حارثة"، المستقلة، وتشكلت كتيبة مصعب بن عمير في لبنان، واستمر الوضع، دون تغيير حتى 1977. وابتداءً من عام 1980 حصل جيش التحرير على مجموعة جديدة من الأسلحة، وتحولت كتيبة 421 التابعة لقوات القادسية إلى الفوج المدرع، بينما تحولت كتيبة 422 إلى قوة محمولة، وأُعيد إحياء قوات التحرير، عبر تحويل كتيبة مصعب بن عمير إلى كتيبتين.
إلى ذلك تم إنشاء كتيبة المدفعية الثالثة، وكتيبة صواريخ، وتحولت كتيبة "عين جالوت" إلى كتيبة الشهيد فاخر النحال، كما تم تحولات لدى الجيش في لبنان، مع توسيع وحداته في الأردن، حتى تأسست "قوات بدر"، المؤلف من ثلاث كتائب، وقادها أيوب عامر، اعتبرت نواة للقوات الفلسطينية في الأردن (1974-1967).(21)
الانتشار الجغرافي:
تمركزت فرقة "المشاة 20"، التابعة للجيش، في قطاع غزة حتى 1967، حين تمركز "لواء حطين" في سوريا، وقوات القادسية في العراق، وأُعيد تجميع الفرقة 20 في مصر، بعد حرب 1967، وانتشرت في منطقة البحيرات المرة، أما "قوات القادسية" فقد توجهت إلى الجبهة الأردنية، عشية حرب 1967، حتى عام 1971، وانتقلت إحدى كتائب "قوات القادسية" إلى سوريا، حتى عام 1976، بينما استقرت الكتيبة الثانية لقوات القادسية في الأردن، وتحرك لواء عين جالوت، مؤقتاً، إلى سوريا، أثناء حوادث 1970، في الأردن، وسرعان ما عاد إلى موقعه في مصر، وبقي "لواء حطين" في سوريا، وخاضت مختلف القوات حرب 1973.
وفي الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1976) توجه "لواء حطين" إلى شمال لبنان (1975) إلى سوريا، نهاية عام 1976، ثم عادت قوات عين جالوت إلى مصر (1977)، وسرعان ما عاد إلى لبنان، إثر عقد الصلح المنفرد بين مصر وإسرائيل (1979).(22)
التسلح والتدريب:
لم يشك جيش التحرير من أي نقصان في الأسلحة، نظراً لعلاقته العسكرية بالدول العربية، وتوفر الميزانية المالية المخصصة لدى "م.ت.ف.".
أما التدريب فتلقى جنود الجيش التدريب على أيدي المدربين المصريين، وجرى التدريب في معسكرات في قطاع غزة، وتلقى كثير من ضباط الصف والجنود التدريب من الجيش السوري، فيما تولت م.ت.ف. مهام تدريب "قوات التحرير الشعبية" في الأردن، ولبنان، في فترة 1968-1971.(23)
المآل:
أدى جيش التحرير الفلسطيني دوراً غير صغير في القتال ضد الهجمة العسكرية الإسرائيلية على لبنان، صيف 1982، والتي تكسرت فيها كل المحاولات العسكرية الإسرائيلية لدخول بيروت الشرقية، أمام صمود المقاتلين الفلسطينيين، واللبنانيين، والسوريين، وهنا لعب جيش التحرير الفلسطيني دوراً محورياً.
معروف بأن هذه الهجمة الإسرائيلية قد انتهت باتفاق على خروج القوات الفلسطينية من بيروت، حيث تناثرت هذه القوات بين سوريا، مصر، السودان، اليمن، شماله وجنوبه، ليبيا، تونس، الجزائر، والعراق.
اندمجت قوات شتى الفصائل الفلسطينية بجيش التحرير، وسمي الجسم الجديد "جيش التحرير الوطني الفلسطيني"، وإن بقي الجزء المرابط في سوريا من ذاك الجيش يحمل الاسم القديم.
حين دخلت السلطة إلى الضفة والقطاع، حمل من تبقى من جيش التحرير "جهاز الأمن الوطني". لكن قصة جيش التحرير لم تكتب، تفصيلاً، بعد.
إشارات:
* فوزي الفارقجي (1890-1977): ضابط عسكري ومناضل، ولد في طرابلس الغرب، وتخرج من المدرسة الحربية التركية في استانبول، 1912، واشترك في الحرب ضد الإنجليز في موصل العراقية، ثم في بئر سبع بفلسطين 1914، 1916، على التوالي، ثم عمل في خدمة الملك فيصل بن الحسين، 1918، ثم تنقل بين السعودية ومصر، وقبل أن يستقر في العراق، وفي 25/8/1936 وصل رأس حملة متطوعين من العراق، ورابط في منطقة المثلث، وغدا القائد العام لثورة 36 الوطنية الفلسطينية، وعندما أعلنت الهدنة وتوقف الإضراب السياسي، انسحب القاوقجي بقواته من فلسطين، التي عاد إليها على رأس "جيش الإنقاذ"، 1948.
** كان وقتها، يشغل منصب رئيس المكتب الثاني (المخابرات الحربية) في سوريا.
*** ضمت عضو اللجنة التنفيذية للمنظمة، قصي العبادلة، بهجت أبو غربية، بالإضافة إلى المدني نفسه.
**** نص هذه المادة هو "تشكيل وحدات فلسطينية خاصة، وفق الحاجات العسكرية، والخطة التي تقررها القيادة العربية الموحدة، بالاتفاق والتعاون مع الدول العربية المعنية". وعدلتها إلى "تنشئ م.ت.ف جيش من أبناء فلسطين وتكون له قيادة مستقلة، تعمل تحت إشراف اللجنة التنفيذية وواجبه القومي أن يكون الطليعة لخوض معركة تحرير فلسطين".
الهوامش:
1- "الموسوعة الفلسطينية"، الدراسات الخاصة، المجلد 5، بيروت، 1990، ط1.
أنظر: د. يزيد صايغ، "التجربة العسكرية الفلسطينية"، ص 359.
2- المصدر نفسه، ص 359.
3- المصدر نفسه، ص 360.
4- المصدر نفسه، ص 360.
5- لمزيد من التفاصيل يمكن الرجوع إلى:
- محمد كريِّم، "مصطفى حافظ مؤسس الحركة الفدائية الفلسطينية"، القاهرة، مركز يافا للدراسات والأبحاث والنشر، ط1، 1998.
6- صقر أبو فخر، "الحركة الوطنية الفلسطينية.. من النضال المسلح إلى دولة منزوعة السلاح"، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 2003، ص 21-22.
7- لمزيد من التفاصيل يمكن الرجوع إلى:
- عيسى الشعيبي، "الكيانية الفلسطينية.. الوعي الذاتي والتطور المؤسساتي (1947-1977)"، بيروت، م.ت.ف، مركز الأبحاث، ط1، 1979، ص 69-72.
8- "الموسوعة الفلسطينية"، الدراسات الخاصة، المجلد الخامس، بيروت، 1990، ط1، أنظر: د. يزيد صايغ، "التجربة العسكرية الفلسطينية"، ص 361.
9- "الموسوعة الفلسطينية"، القسم العام، المجلد الثاني، دمشق، 1984، ط1، ص 116.
10- المصدر نفسه، ص 117.
11- المصدر نفسه، ص 117.
12- د. يزيد صايغ، "الكفاح المسلح والبحث عن الدولة"، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط1، 2002، ص 186-190.
- د. أسعد عبد الرحمن (محرراً)، "منظمة التحرير الفلسطينية.. جذورها.. تأسيسها.. مساراتها"، م.ت.ف، مركز الأبحاث، بيروت، 1987.
أنظر: د. أحمد نوفل، "العمل في الساحة الفلسطينية (1964-1967)"، ص 84.
عن أحمد الشقيري، "من القمة إلى الهزيمة"، بيروت، دار العودة، 1971، ص 147.
و "الكتاب السنوي للقضية الفلسطينية لعام 1966"، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1968، ص 101.
13- "الموسوعة الفلسطينية"، القسم العام، مصدر سبق ذكره، ص 118.
14- المصدر نفسه، ص 119.
15- "جلسة مع العميد أحمد صرصور في منزله"، بالقاهرة، 6/10/2003.
16- "الموسوعة الفلسطينية"، القسم العام، مصدر سبق ذكره، ص 119.
17- عبد الرحمن، مصدر سبق ذكره، أنظر: نوفل، مصدر سبق ذكره، ص 86، عن "الكتاب السنوي للقضية الفلسطينية لعام 1968"، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1970، ص 71 و 73-74.
18- "الموسوعة الفلسطينية"، القسم العام، مصدر سبق ذكره، ص 119.
19- لمزيد من التفاصيل يمكن الاستعانة بـ:
- د. أسعد عبد الرحمن (مشرفاً)، "الحرب العربية- الإسرائيلية الرابعة.. وقائع وتفاعلات"، بيروت، منظمة التحرير الفلسطينية، مركز الأبحاث، 1974، ص 138-165.
20- "الموسوعة الفلسطينية"، الدراسات الخاصة، مصدر سبق ذكره، ص 416.
- عبد الرحمن (محرراً)، "منظمة..."، مصدر سبق ذكره.
- أنظر: سبق ذكره، ص 84، عن الشقيري، مصدر سبق ذكره، ص 147، و "الكتاب السنوي للقضية الفلسطينية عام 66"، ص 101.
21- "الموسوعة الفلسطينية"، الدراسات الخاصة، مصدر سبق ذكره، ص 417.
22- المصدر نفسه، ص 417.
23- المصدر نفسه، ص 418.
24- المصدر نفسه، ص 418-419.
* باحثة مصرية
الأساس الاقتصادي- الاجتماعي
لظهور منظمة التحرير الفلسطينية
ــــــــــــــــــــــــــــ
رضوى عبد القادر*
لماذا فصلت 16 عاماً نكبة فلسطين عن قيام "منظمة التحرير الفلسطينية"؟ سؤال له ما يبرره: أثر قرار تقسيم فلسطين، 29/11/1947، وحرب 1948 تأثيراً سالباً على الكيان الفلسطيني، وخاصة بعد تشتيت نسبة غير قليلة (زهاء مليون فلسطيني) إلى عالم اللجوء والقهر الاقتصادي، والاجتماعي، والسياسي.
توالت عوامل عدة، لكي يظهر الكيان الفلسطيني، مرة أخرى، على الساحة الإقليمية والعالمية، وتوزعت هذه العوامل ما بين داخلية (فلسطينية)، وخارجية (عربية، ودولية).
الشروط الفلسطينية:
تضافرت شروط فلسطينية مختلفة، دفعت الكيان الفلسطيني إلى الظهور، وتوزعت هذه الشروط على مجالات مختلفة.
الشرط الاقتصادي:
بعد خضوع قطاع غزة للإدارة المصرية، منذ عام 1948، أصبح ملحقاً بالاقتصاد المصري، الأكثر تقدماً، كما أن تركز الجنود والموظفين المصريين، و"وكالة غوث اللاجئين"، و"قوات الطوارئ الدولية" (بعد حرب 1956) في القطاع، كل ذلك أدى إلى خلق نوع من السوق الحرة فيه، وإلى نمو التبادل الخارجي. ومن ناحية أخرى، كان لتدفق اللاجئين المعدمين على القطاع أثره في توسيع سوق اليد العاملة، وتخفيض أجورها، وتسهيل التطور الرأسمالي في القطاع. ونجد أن إجمالي الأرض المزروعة قد زادت بنسبة 50% تقريباً، في الفترة من 48-1949 إلى 59-1960، بينما انكمشت الصناعات الحرفية، وخاصة النسيج، ثم ما لبث أن حلت محلها بعض الصناعات الكمالية للملابس الجاهزة، بأسماء وماركات أجنبية.(1)
من جهة أخرى، توفر أساس موضوعي لانتعاش الفئات الوسطى الفلسطينية، بين العاملين الفلسطينيين في دول الخليج، حيث أخذت هذه الفئات تكتسب نفوذاً اقتصادياً، باطراد، ما جعلها ترنو إلى نفوذ سياسي مواز.(2)
الشرط الاجتماعي:
هكذا، انتعش الاقتصاد الفلسطيني، بعد مرور عشر سنوات، على النكبة، كما تحولت مخيمات اللاجئين إلى وحدات اجتماعية ذات طابع خاص، تبادل فيها أفرادها خبراتهم وخيبة آمالهم في القيادات السابقة وعداءهم لنموذج التقدم الرأسمالي (الأمريكي والإسرائيلي، بعد البريطاني)، وتخضبت فكريّاتهم بالبذور الاشتراكية، على أشكال مختلفة، وخاصة الطوباوية، المعبّرة عن البرجوازية الصغيرة.(3)
إذا كانت الفواصل شبه العشائرية، والريفية، والتشتت الجغرافي، قد جزأت المجتمع العربي الفلسطيني، أفقياً، فإن الفوارق الطبقية الشديدة، بين الفقراء، وصغار الفلاحين، والحرفيين من جهة، وبين بقايا الإقطاع، والبرجوازية الكبيرة من جهة أخرى، لعبت دوراً عازلاً إضافياً في التجزئة الاجتماعية والتفكك السياسي. ولم يتحول ذلك التناقض الطبقي إلى دافع للتطور الفكري والنضج السياسي النسبي، إلا بعد أن بدأت النشاطات الاقتصادية الجديدة تشد المجتمع العربي الفلسطيني إلى الأمام مرةً أُخرى، وإن ظلت هذه النشاطات بعيدة إلى حد ما عن نسبة كبيرة من اللاجئين.(4)
الشرط السياسي:
لقد كان التطور الاقتصادي والاجتماعي، داخل فلسطين بمثابة الأساس لإحياء الحركة السياسية، من جديد، حيث كانت "عصبة التحرر الوطني"، أو "الحزب الشيوعي"، الحزب الوحيد، الذي واصل عمله، بعد النكبة، كما كانت هناك نضالات فردية، غير منظمة، حيث لم يغب عن بال الوطنيين أن طريق تحقيق عودة اللاجئين، وإقامة الدولة العربية الفلسطينية، يمر في طريق النضال ضد الإمبريالية.
لقد كانت "حكومة عموم فلسطين"* هي آخر التجارب التي اختتمت بها القيادة التقليدية للشعب الفلسطيني حياتها السياسية. وجاء تخلي الفلسطينيين عن حركتهم الوطنية الخاصة، ومؤسساتهم السياسية، متزامناً مع الصعود العارم للحركة القومية، وكان المركز المرموق، والأولوية النضالية التي احتلتها القضية الفلسطينية، في الأحزاب والحركات العربية كافة حافزاً كبيراً على انخراط الفلسطينيين في هذه الأحزاب والحركات، وصقل وعيهم النضالي، عبر معاركها الوطنية والقومية.(5)
كما كان الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة (تشرين ثاني 1956- آذار 1957)، الشرارة التي أشعلت الحركة السياسية الفلسطينية، بعد ركود نسبي، طوال فترة الخمسينات الأولى، ولم تكن تلك الحركة حكراً على القطاع، وحده، بل على غيره من مناطق التجمعات الفلسطينية الأُخرى، وبعد أن كانت "عصبة التحرر الوطني" الحزب الوحيد، الذي استمر بعد نكبة 1948، فقد ظهرت على الساحة، أحزاب أُخرى كحزب البعث وحركة القوميين العرب، و"فتح"، وحركة الأرض،
وعند بداية ستينات القرن العشرين، كان عدد المنظمات الفدائية الفلسطينية قد تخطى الثلاثين، وكان هدفها الرئيس، هو "تحرير فلسطين".
لم يحدث التغير الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للفلسطينيين داخل فلسطين، فحسب، بل في الأردن، أيضاً، (بعد ضم الضفة الغربية إلى الأردن، في نيسان/ أبريل 1950)، حيث أصبح الفلسطينيون، الأكثر تطوراً من السكان، في هذه المجالات الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية. وقد ترتب على هذا التطور نتيجة مزدوجة ومتناقضة، في آن:(6) فمن جهة تم استيعاب الفلسطينيين في الدولة الأردنية، لفترة طويلة، مما أجل طرح القضايا المتعلقة بالوطنية الفلسطينية، إلى ما بعد عام 1963، ومن جهة أُخرى، قوى ذلك الوضع من العداء الطبقي بين حكام عمان ـ المستندين إلى مشايخ القبائل والاستعمار الأجنبي ـ وبين البرجوازية الصغيرة، والفلاحين، والعمال، واللاجئين الفلسطينيين، وكذلك البرجوازية الوطنية الفلسطينية.
الشرط الثقافي:
فيما بين سنتي 1948 و1956 طغت العواطف الجياشة على الكتابات السياسية، والإبداعات الفلسطينية، حتى دعا أغلبها إلى "الثأر". وإن بدأ الفكر السياسي الفلسطيني بتفحص أسباب النكبة، فأعادها إلى ضعف تنظيم الشعب الفلسطيني، وتقاعس أشقائه العرب عن نجدته، وامتلاك العدو العلم، والسند الدولي.(7)
فيما تميزت مرحلة النهوض القومي (1516 ـ 1961) باستعادة الفلسطينيين الثقة بأنفسهم، وبأشقائهم، وبزعامة الرئيس المصري، آنذاك، جمال عبد الناصر، فضلاً عن اتسام المرحلة بالوضوح الفكري، وسيادة الرؤية القومية في التعامل مع الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
التقط المفكرون والكتاب السياسيون الفلسطينيون العلاقة العضوية بين الوحدة العربية وتحرير فلسطين. ومنذ وقت مبكر رأى حازم زكي نسيبة بأن "الحل، طبعاً، هو القومية"،(8) فيما حاول عبد الله الريماوي تعميق أفكار الوحدة القومية، والحرية، والاشتراكية، وندد بالإقليمية، وناكف الشيوعيين، وعاداهم،(9) كما أسهم نقولا زيادة في التنظير للقومية العربية،(10) منذ وقت مبكر، وركز أنيس صايغ، على الجانب الفكري من التاريخ العربي، فرض، وحلل، من منطلق عروبي، وقائع ثورة الشريف حسين بن علي، وتداعياتها، وما تفرع منها،(11) ومن المنطلق نفسه اعتمد وليد قمحاوي منهج المؤرخ البريطاني الشهير، آرنولد توينبي، الذي أسسه على "التحدي والاستجابة"،(12) وأسهم في الشأن نفسه المفكر الماركسي الفلسطيني المرموق، إميل توما،(13) فيما عالج يوسف صايغ البعد الاقتصادي الاجتماعي للوحدة العربية.(14)
الشرط العسكري:
نشطت، في الفترة ما بين 1949-1959، الهجمات المسلحة الفردية، غير المنظمة، بسبب افتقار الشعب الفلسطيني للبُنى الضرورية، ولكن تلك الهجمات هدفت إلى الانتقام من الصهيونية، أو استرجاع ممتلكات كان قد تركها اللاجئون، حينما أرغموا على الرحيل.
لقد تمت هذه العمليات الفردية بشكل يومي، تقريباً، وبالذات عبر قطاع غزة، والضفة الغربية، حيث سجل المفتش العام للشرطة الإسرائيلية، ما بين أيلول/ سبتمبر 1954 وشباط/ فبراير 1955 تسعة حوادث قتل، و140 حالة "نهب وسرقة"، عن طريق قطاع غزة، كما زادت هذه العمليات، في الأردن، رغم تأكيد قائد الجيش الأردني، آنذاك، الجنرال جون باجوت غلوب، مدى حرص أجهزة الأمن الأردنية على منع مثل هذه الحوادث.(15)
انتهى التسلل الفردي، بالتدريج، بعد 1952، ليحل محله نشاط عسكري، أكثر تنظيماً، وكانت حكومتا مصر وسوريا تمدان رجال هذا النشاط بالمال والسلاح.
إلى ما بعد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، في 28 شباط/ فبراير 1955، إذ اقترح قائد المخابرات الحربية المصرية في قطاع غزة، آنذاك، البكباشي (المقدم) مصطفى حافظ، تشكيل وحدات فدائية فلسطينية، تضرب في العمق الإسرائيلي، واستجاب قائد الجيش المصري، عبد الحكيم عامر، لهذا الاقتراح، وسرعان ما تشكلت "الكتيبة 141" لهذا الغرض، التي ضمت زُهاء ألف فدائي فلسطيني، تحت قيادة مصرية، شنت 180 هجمة عسكرية ضد مواقع إسرائيلية، بين كانون الثاني/ ديسمبر 1955، وآذار/ مارس 1956، وزاد نشاط "الفدائيين" في تصميم إسرائيل على شن حرب. كما نجحت المخابرات الإسرائيلية في اغتيال كل من حافظ. والملحق العسكري المصري، في عمان، صلاح مصطفى، في 11 و13/7/1956، على التوالي، ما أوقف العمل الفدائي ضد إسرائيل، خاصة بعد تأميم عبد الناصر قناة السويس (26/7/1956).(16) كما أتى انفصال الوحدة المصرية ـ السورية، في أيلول/ سبتمبر 1961، ليُنهي ما تبقى من نشاط الوحدات الفدائية الفلسطينية تلك.
أكدت تلك الفترة على أهمية العمل الفلسطيني المسلح، في مواجهة إسرائيل، كما رسخ ذلك معنى حرب العصابات، وما له من دور هام في زعزعة أمن إسرائيل، ما أكد للفلسطينيين إمكانية ضرب إسرائيل، وهز أمنها، ومن ناحية أخرى، فقد كشفت عدم جدية الدول العربية في مواجهة إسرائيل، أو زعمها "العمل لتحرير فلسطين".
إلى ذلك، حين تأسست "منظمة التحرير الفلسطينية" لم تبدأ نشاطها العسكري في فراغ، بل وجدت نوايات شتى في غير قطر عربي.
في مصر، استحدثت حكومة الثورة، أواخر 1952، "الحرس الوطني الفلسطيني"، وحرصت على تعزيزه، بمرور الأيام. وفي سياق الصراع مع الرئيس العراقي، عبد الكريم قاسم، وسع عبد الناصر هذا الحرس الوطني، وأطلق عليه اسم "الجيش الفلسطيني" من باب التفخيم. وقبله كان قاسم دعا إلى تأسيس "فوج التحرير الفلسطيني، وشكله، فعلاً (1960). فيما كان زهاء خمسين طالباً فلسطينياً التحقوا بالكلية الحربية السورية، عشية النكبة، ثم تخرجوا، والتحقوا بالجيش السوري، عدا ضباط فلسطينيين هنا وهناك، مثل وجيه المدني، الذي عمل ضابطاً في الكويت، وتولى رئاسة الدائرة العسكرية في منظمة التحرير، منذ لجنتها التنفيذية الأولى.
الشروط العربية:
في خمسينات القرن العشرين، احتدت الصراعات والتوتر، بين إسرائيل والأقطار العربية المجاورة، حيث اتبعت الأولى سياسة التوسع الصهيوني تجاه الثانية، خاصة في المناطق المنزوعة السلاح بين سوريا وإسرائيل، واتخذ شكل مشاريع تجفيف مستنقعات الحولة، أو فلاحة قطعة أرض. وفي أيار/ مايو 1951، بحث مجلس الأمن الدولي هذا الأمر، ودعا إسرائيل إلى وقف نشاطها في "تجفيف المستنقعات"! حتى تحل المشكلة، ولكن هذه الممارسات استمرت، وكانت من عناصر الاستفزاز، فيما بعد، لخلق الظروف لشن حرب حزيران/ يونيو 1967.(17)
وقع تحول في طابع تلك الصراعات العربية ـ الإسرائيلية، عقب ثورات التحرر الوطني العربية، ففي 23 تموز/ يوليو 1952، انتصرت ثورة الضباط الأحرار، التي قوضت النظام الملكي، وأقامت الجمهورية في مصر. كما أطيح بدكتاتورية أديب الشيشكلي في سوريا، في شباط/ فبراير 1954، واجتاحت بلاد المغرب العربي موجة ثورية، أدت إلى استقلال ليبيا، وتونس، والمغرب، في عام 1955، أما الجزائر فحقق الاستقلال، عام 1962، وفي خمسينات القرن العشرين أفشلت الشعوب العربية، أيضاً، اتساع "حلف بغداد"* الإمبريالي.
ظهرت في الوطن العربي بين الوطنيين الفلسطينيين، وأندادهم من العرب، منظمة "كتائب الفداء العربي"، ويتفق أكثر المراقبين على أن هذه المنظمة كانت وليدة النكبة، وأن مؤسسيها كانوا شباباً، بعضهم حارب إلى جانب الجيوش العربية، وصدمه الفرق بين قوة إسرائيل العسكرية، وضعف القوات العسكرية العربية، كما هزته تجربة اللاجئين المؤلمة.(18)
إثر النهوض الثوري في الحركة القومية العربية، سارعت إسرائيل إلى محاولة إجهاض هذا النهوض، فشن جيشها الغزوات الغادرة، بالتساوق مع محاولة الإمبريالية توسيع قاعدة "حلف بغداد"، فهاجمت القوات الإسرائيلية في 28 شباط/ فبراير 1955، معسكراً مصرياً في غزة، ثم هاجمت خانيونس، مرتين، في العام نفسه، في 31 أيار/ مايو، و31 آب/ اغسطس. وتمادت إسرائيل في الغزوات، وأمرت قواتها باحتلال منطقة العوجة المنزوعة السلاح، في 20 أيار/ مايو 1955. وكانت هجمات إسرائيل العسكرية في منطقة خط الهدنة في الشمال على النسق نفسه، وتهدف إلى الضغط على سوريا، لتنتسب إلى "حلف بغداد"، كما أغارت إسرائيل على خطوط الهدنة الأردنية ـ الإسرائيلية. وقد تحولت هذه الغزوات إلى مذابح، لأن هدفها كان أهالي القرى الآمنين، واللاجئين في المخيمات، وغدت محطات هذه المذابح معالم على مسيرة الآلاف، التي سار عليه الشعب العربي الفلسطيني.(19)
لعل عدوان 28 شباط/ فبراير هذا على قطاع غزة، أول وأهم ما دفع الرئيس المصري عبد الناصر، لعقد صفقة الأسلحة مع تشيكوسلوفاكيا، الإتحاد السوفييتي، خريف عام 1955، وكان هذا الرد الفعال لمواجهة الضغوط الإمبريالية، فجاء الرد المقابل بالعدوان الثلاثي على مصر، عام 1956، ولكن العدوان لم يحقق أغراضه.
حمت الحركة الوطنية في البلاد العربية القضية الفلسطينية من التصفية، ذلك لأن تلك الحركة نجحت في منع الالتحام بين بعض الأنظمة، وبين الاستعمار الأمريكي، وكان موقف مصر الحيادي، من حرب التدخل الأمريكي، في كوريا (عام 1950) أول ضربة موجهة ضد المشاريع الاستعمارية في الوطن العربي، تلاه رفض الحكومة الوفدية الانضمام إلى "قيادة الشرق الأوسط" الاستعمارية، التي أسستها أمريكا وبريطانيا وفرنسا وتركيا، في تشرين الأول/ أكتوبر 1950.(20)
كما ساعد وصول الفئات الوسطى (البرجوازية الصغيرة) إلى الحكم في غير قطر عربي، على بروز "الشخصية الفلسطينية"، ما أسهم في إحياء مشروع "الكيان الفلسطيني"، خاصة في فترة الوحدة بين مصر وسوريا (1958-1961)، في محاولة لتأكيد شعارات هذه الوحدة.
منذ منتصف 1949 وحتى 1959، تقريباً، تمثل الموقف العملي لمعظم الدول العربية، في طي القضية الفلسطينية، وبدأ هذا الموقف يتغير، فجأة، منذ عام 1959، عندما أقرت لجنة من خبراء الجامعة العربية مشروع "الكيان الفلسطيني"، وبعد أن أعلن الملك سعود لداغ همرشولد في 6/1/1959 [سكرتير عام الأمم المتحدة آنذاك] بأن الدول العربية ستعلن الجهاد، لاستعادة الأرض السليبة، إن لم يعد اللاجئون الفلسطينيون إلى ديارهم.(21)
غنى عن الذكر، أنه بجانب فشل "العدوان الثلاثي" على مصر 1956، وتحقيق الوحدة المصرية ـ السورية 1958، فإن الحركات التحررية عمت الوطن العربي، لعل أهمها، الثورة الوطنية المسلحة، في الجزائر، التي استمرت لمدة ثماني سنوات، وتوجت بالانتصار، في آذار/ مارس 1962، وقد كانت ثورة الجزائر، في هذا الوقت، مثالاً ناضجاً لأعمال النضال الوطني البطولي من أجل الاستقلال، وحافزاً رئيسياً لإشعال الثورة الفلسطينية، وظهور "الكيان الفلسطيني".
لا شك في أن انفصال الوحدة المصرية ـ السورية، في 28 أيلول 1961، كان بداية التحول في الحركة القومية العربية الشاملة نحو الإقليمية، والتقوقع الوطني المحلي. وقد شهد الوطن العربي، بين 1961 و1963، ظهور حوالي أربعين تنظيم "فدائي" عربي فلسطيني، بمختلف الأهداف وأساليب العمل، ما عبر عن التحرك الثوري العربي الفلسطيني من ناحية، وعدم وضوح الرؤية من ناحية ثانية.(22)
لعل اللمسة العربية الأهم في الميلاد الجديد للشخصية الفلسطينية تمثلت في التصريح الهام للرئيس المصري، جمال عبد الناصر (26/7/1962) أمام أعضاء المجلس التشريعي في قطاع غزة، الذين التقوا الزعيم المصري، في القاهرة، إذ فاجأ عبد الناصر الوفد الفلسطيني بأنه لا يمتلك هو، أو أي زعيم عربي، خطة لتحرير فلسطين، ما عنى تحريضاً من عبد الناصر للشعب الفلسطيني كي يأخذ قضيته الوطنية بين يديه. وكان الملك السعودي، سعود، والرئيس الجزائري، أحمد بن بيلا، قد سبقا عبد الناصر في دعوة الشعب الفلسطيني إلى سلوك طريق شعب الجزائر، في تحرير تراب وطنه.
في النصف الثاني من خمسينات القرن العشرين، وبعد أن قوي النظام العربي، بتحرير معظم شعوبه، وانتشار الحركات الثورية في أقطاره، خشي بعض الزعماء العرب من مغبة تكوين الفصائل الفدائية الفلسطينية، خوفاً من الدخول في حرب خاسرة مع إسرائيل، كسبب رئيس، إلا أنه بعد انفصال سوريا عن مصر، واتساع الخلافات العربية، استحدثت شقوق في جدار النظام العربي، مكنت الفصائل الفلسطينية من الإفلات من بين هذه الشقوق، لتجد لنفسها موقعاً متميزاً.
أما لماذا ولدت جُل منظمات المقاومة في الكويت، بالذات، فذلك يعود إلى أمور عدة، لعل أولها، نمو الفئات الوسطى الفلسطينية، واتساعها هناك أكثر من غيرها من الأقطار، وثانيها، اتساع هامش الحرية للعمل الفلسطيني، وثالثها، عدم انتساب الكويت إلى "نادي المنتفعين بقضية فلسطين"، مما لم يجعلها تعمل على قمع المنظمات الفلسطينية الوليدة.
الشروط الدولية:
شدد الاتحاد السوفييتي مساعيه لتخفيف التوتر الدولي، وتحقيق التعايش السلمي بين الأنظمة الاجتماعية المختلفة، والتقى الزعيم السوفييتي 1959، نيكتا خرتشوف، الرئيس الأمريكي، دوايت ايزنهاور في "كامب ديفيد"، خلال اشتراك الأول في دورة الجمعية العامة في الأمم المتحدة، في أيلول 1959، وفي أعقاب الاجتماع صدر بيان، جاء فيه أن الزعيمين، السوفييتي والأمريكي، اتفقا على أن كافة القضايا الدولية المختلف عليها يجب أن تُسوى، عن طريق المفاوضات، والحرص على السلام، وليس عن طريق استخدام القوة.(23)
لكن طائرة تجسس أمريكية اخترقت المجال الجوي السوفييتي (نيسان/ أبريل 1960) فأسقطها السوفييت، بينما رفضت أمريكا الاعتذار، مما أدى إلى اشتعال الحرب الباردة بين السوفييت والأمريكان.
شهد العقد السادس من القرن العشرين تحرر أقطار شمال أفريقيا، وفي أيلول/ سبتمبر 1960 استقلت الكونغو "البلجيكية"، فكان ذلك حدثاً هاماً، لموقعها في قلب تلك القارة، أحدث تداعيات ثورية في مختلف أنحاء أفريقيا. كما نشطت، في الوقت نفسه، المحافل الحاكمة الإسرائيلية، في أفريقيا، وقامت بهجمة دبلوماسية، في أقطارها المتحررة، أو التي في طريقها نحو التحرر، وهدفت من وراء ذلك إلى تحقيق هدفين: خدمة المصالح الإمبريالية الأمريكية ـ الأوروبية في أفريقيا، وتجنيد تلك الدولة، التي أصبحت عضواً في الأمم المتحدة، في معركتها السياسية ـ الدبلوماسية، ضد الدول العربية، الداعية إلى الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني.(24)
عشية استقلال الكونغو، وفي مؤتمر صحفي، في بروكسل، في 21 حزيران 1960، صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي، آنذاك، ديفيد بن غوريون، "أن دور إسرائيل في أفريقيا يتجسد في إقامة سد في وجه الشيوعية". فيما كتب مراسل "يديعوت أحرونوت"، الذي رافق بن غوريون، في رحلته: "إن إسرائيل هي أفضل سند للغرب في أفريقيا، وهي أفضل سند لبلجيكا في الكونغو"!.(25) ولم يكن من الصعب إدراك مصادر التمويل التي مكنت حكام إسرائيل من "مساعدة" الدول الأفريقية "المستقلة". وأبرز الجنرال الأمريكي، يوليوس كلاي دور إسرائيل في الاستراتيجية الكونية، حيث قال: "في حالة الطوارئ، ستكون إسرائيل أهم للولايات المتحدة، أكثر مما تكون الولايات المتحدة مهمة لإسرائيل!".(26)
منذ منتصف الستينات، تطورت الأوضاع الدولية، بحيث أصبح للمعسكر الاشتراكي الكأس المعلَّى في تقرير مجرى الأمور الدولية بشكل عام، وبدأت المرحلة ـ على النطاق العربي ـ بمد ثوري قادته البرجوازية الصغيرة (الإصلاح الزراعي، والتأميمات في مصر)، وتميزت هذه المرحلة بمواجهة أشد حدة وعمقاً، بين الحركة الوطنية العربية، وبين الاستعمار العالمي، وعلى رأسه أمريكا، كما تميزت بصلات أوثق وأعمق بين تلك الحركة، وبين المعسكر الاشتراكي، والأحزاب الفلسطينية، وسهلت مولد قيادة جديدة لها ـ هي البرجوازية الصغيرة، بأجنحتها المختلفة ـ غير أن مولدها حدث بترحيل زمني عن التطورات المحيطة بها، أي عندما كانت الأزمة الداخلية الكامنة قد أمسكت تلك القيادة على نطاق الوطن العربي، وترتب على هذه الأوضاع بروز عراقيل جديدة في وجه القضية الفلسطينية، ومحاصرة متكررة للحركة الوطنية الفلسطينية، تعاونت فيها بعض الأنظمة الوطنية العربية، مع أنظمة عربية عميلة أخرى.(27)
بديهي، أن الإمبريالية العالمية، وفي طليعتها الإمبريالية الأمريكية، بادرت إلى التدخل هنا وهناك، في آسيا، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية، بهدف حصر العملية الثورية، في الأقطار المستعمرة، وإنجاح مؤامرات الردة، حتى في منظمة الدول الاشتراكية (مؤامرة الردة في هنغاريا، خريف 1956) ولكن الإمبريالية فشلت في وقف العملية الثورية المتسارعة في المستعمرات.(28)
أدركت أمريكا، في هذا الوقت، بأنها بدأت تفقد نفوذها، ولم تعد قادرة على فعل شيء، بعد موجات التحرر القومية الثورية، عبر العالم، بل في أراضيها خاصة، وأكد هذا الإدراك انتصار الثورة الشعبية، بقيادة فيدل كاسترو، في كوبا (1959).
من جهة أخرى ازداد السند الدولي الأول للعرب وقضاياهم، الدول الاشتراكية، وفي طليعتها الاتحاد السوفييتي، في صنع أحداث العالم، ما عزز الجهد الوطني الفلسطيني.
فيما أدى الصراع الصيني ـ السوفييتي، الذي خرج إلى العلن منذ 1959، وأخذ يتفاقم باطراد، إلى عثور الشعب الفلسطيني على سند دولي، تمثل في الصين، التي كانت تحبذ الصدام مع الإمبريالية، والتي رأت فيها الصين "نمراً من ورق"، فيما شدد السوفييت على ضرورة تدعيم سياسة "التعايش السلمي"، وتهدئة الصراعات مع الإمبريالية الأمريكية في العالم، اتكالاً على وهم انتصار الاشتراكية على الرأسمالية، في المباراة الاقتصادية بينهما.
ناهيك عن استراتيجية "حرب الشعب" التي صاغتها الصين، في ثلاثينات القرن العشرين، وطورها الحزب الشيوعي الفيتنامي، في حربه ضد القوات الفرنسية، حتى هزمها في معركة "رين بيان فو" (1954)، ومن بعدها اتسع الصراع المسلح بين الفيتناميين والقوات الأمريكية، والذي توج بانتصار الأخيرين، بقوة استراتيجية "حرب الشعب". ما أكد مضاءها، ودفع الفصائل الفدائية الوليدة إلى الوعد بالأخذ بهذه الاستراتيجية في معركة تحرير فلسطين.
ظهور المنظمة:
بدأت البشائر سنة 1964 بمؤتمر القمة العربي الأول، الذي أظهر الصف العربي موحداً، على الأقل، في موقفه من المخطط الإسرائيلي، لتحويل نهر الأردن (13 كانون الثاني). وقاد عبد الناصر الهجوم السياسي على إسرائيل.(29) ورغم الرغبة الفلسطينية الملحة في إقامة "الكيان الفلسطيني"، فإن البيان الختامي للمؤتمر، لم يأت على ذكر الكيان الفلسطيني. وكانت قيادة الجامعة العربية، في أيلول/ سبتمبر 1963، قد قررت توكيل المحامي الفلسطيني، أحمد الشقيري، بتمثيل الشعب الفلسطيني، في دورات الجامعة، كذلك أوكلت إليه مهمة القيام بالاتصالات الواسعة مع ممثلي الشعب العربي الفلسطيني، من أجل قيام "الكيان الفلسطيني".
وقد أوضح أحمد الشقيري، لاحقاً، سبب خلو البيان الختامي من ذكر عبارة "الكيان الفلسطيني"، وأن تأتي فقرة "تقرير مصيره" بعد فقرة "تحرير وطنه". وقد أضاف الشقيري إلى ذلك أسباباً غير مباشرة، وأقل أهمية، بقوله: "إن الملوك والرؤساء العرب، الذين لم يقرروا قيام الكيان الفلسطيني، كانوا مختلفين حول معانيه، وتحدياته السياسية. ففي الوقت الذي كان فيه الملك حسين، يصر على أن لا يأتي بيان القمة على ذكر "الكيان الفلسطيني"، كان الرئيس السوري، أمين الحافظ، يطالب بأن تعطى للكيان أرض الضفة الغربية وقطاع غزة. وفي الوقت الذي كان فيه الملك سعود، ملك العربية السعودية الأسبق، يقترح قيام حكومة فلسطينية، كان الرئيسان، الجزائري، أحمد بن بلا، والتونسي، الحبيب بن بورقيبة، يقترحان قيام "جبهة تحرير وطنية".(30)
معروف بأن الشقيري استقوى بعبد الناصر، فذهب إلى أبعد من تكليف القمة له، باستمزاج رأي التجمعات الفلسطينية في الصورة التي ترى ظهور الكيان الفلسطيني فيها. إذ نجح الشقيري في جمع المؤتمر الوطني الفلسطيني، في القدس (28/5-2/6/1964)، ومنه انبثقت "منظمة التحرير الفلسطينية". وهكذا وجدت القمة العربية الثانية، بعد ثلاثة أشهر، نفسها أمام الأمر المقضي. ولهذا قصة تُروى.
ــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
1- محمد علي خلوصي، "التنمية الاقتصادية في قطاع غزة 48-1966"، المطبعة التجارية المتحدة، القاهرة، 1967، ص 77 و 336.
2- عبد القادر ياسين، "الحركة الوطنية الفلسطينية.. المحطات الرئيسية، الدروس المستفادة"، دار الكلمة، القاهرة، ط1، 2000، ص 39.
3- د. ادوارد سيدهم، "مشكلة اللاجئين العرب"، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة، 1963، ص 95.
4- أحمد صادق سعد، عبد القادر ياسين، "الحركة الوطنية الفلسطينية 1948-1970"، الاتحاد العام للكتاب والصحافيين الفلسطينيين، ط1، 1975، ص 27.
5- للمزيد، انظر:
- باسل الكبيس، "حركة القوميين العرب"، بيروت، دار الطليعة، الأمانة العامة لاتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين، 1974.
6- للمزيد عن الفلسطينيين في الأردن، يمكن الرجوع إلى:
- عيسى الشعيبي، "الكيانية الفلسطينية.. الوعي الذاتي والتطور المؤسساتي 1947-1977"، مركز الأبحاث، منظمة التحرير الفلسطينية، ط1، 1979، ص 22-43، ص 116-127.
- سعد، وياسين، مصدر سبق ذكره، ص 87-98.
7- لمزيد من التفاصيل، يمكن الرجوع إلى المصادر التالية:
- موسى العلمي، "عبرة فلسطين"، بيروت، دار الكشاف، 1949.
- قدري طوقان، "بعد النكبة"، بيروت، دار العلم للملايين، 1950.
- قدري طوقان، "وعي المستقبل"، بيروت، دار العلم للملايين، 1953.
- محمد عز الخطيب، "من أثر النكبة"، دمشق، 1951.
- تقي الدين النبهاني، "انقاذ فلسطين"، دمشق، مطبعة ابن ريدون، 1950.
8- حازم زكي نسيبة، "القومية العربية.. فكرتها، نشأتها، تطورها"، ترجمة عبد اللطيف شرارة، بيروت، دار بيروت، نيويورك، مؤسسة فرانكلين، 1959.
9- تراجع في هذا الصدد كتب عبد الله الريماوي:
- "القومية والوحدة في الحركة القومية العربية الحديثة"، القاهرة، دار المعرفة، 1961.
- "المنطق الثوري للحركة القومية العربية الحديثة"، القاهرة، دار المعرفة، 1961.
- "من وحي النكستين.. الإقليمية الجديدة"، بيروت، دار الطليعة، 1970.
10- نقولا زيادة، "العروبة في ميزان القومية"، بيروت، دار العلم للملايين، 1950.
11- لمزيد من التفاصيل، يمكن الإطلاع على كتب أنيس صايغ التالية:
- "الفكرة العربية في مصر"، بيروت، 1959.
- "من فيصل الأول إلى جمال عبد الناصر"، صيدا، المكتبة العصرية، بيروت، جريدة المحرر، 1965.
- "الهاشميون والثورة العربية الكبرى"، بيروت، دار الطليعة، 1966.
- "الهاشميون وقضية فلسطين"، صيدا، المكتبة العصرية، بيروت، جريدة المحرر، 1966.
- "فلسطين والقومية العربية"، بيروت، منظمة التحرير الفلسطينية، مركز الأبحاث، 1966.
12- وليد قمحاوي، "النكبة والبناء.. نحو بعث الوطن العربي"، جزء 1، بيروت، 1956.
13- إميل توما، "العرب والتطور التاريخي في الشرق الأوسط"، حيفا، دار الاتحاد، 1962.
14- يوسف صايغ، "الخبز مع الكرامة.. المحتوى الاقتصادي الاجتماعي للمفهوم القومي العربي"، بيروت، دار الطليعة، 1961.
15- محسن محمد صالح، "فلسطين.. دراسات منهجية في القضية الفلسطينية"، سلسلة "دراسات فلسطينية"، 1، القاهرة، مركز الإعلام العربي، 2003، ص 310.
16- يزيد صايغ، "الكفاح المسلح والبحث عن الدولة.. الحركة الوطنية الفلسطينية (1949-1993)"، ترجمة باسم سرحان، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2002، ص 122.
17- د. إميل توما، "ستون عاماً على الحركة القومية العربية الفلسطينية"، ط 2، دار ابن رشد، دائرة الثقافة والإعلام، منظمة التحرير الفلسطينية، 1978، ص 232.
18- المصدر نفسه، ص 226.
19- المصدر نفسه، ص 232-234.
20- سعد، وياسين، مصدر سبق ذكره، ص 74.
21- للمزيد عن عوامل التغير في الموقف العربي:
- المصدر نفسه، ص 78-79.
22- توما، "ستون..."، مصدر سبق ذكره، ص 245.
23- "الاتحاد"، 29/9/1959.
- أورده: إميل توما، "منظمة التحرير الفلسطينية"، دار الاتحاد، حيفا، 1986، ص 98.
24- المصدر نفسه، ص 101.
25- الاتحاد "حيفا"، 22/6/1960.
- أورده: توما، "منظمة..."، مصدر سبق ذكره، ص 102.
26- المصدر نفسه، ص 102.
27- سعد، وياسين، مصدر سبق ذكره، ص 103-104.
28- توما، "منظمة..."، مصدر سبق ذكره، ص 98-99.
29- سعد، وياسين، مصدر سبق ذكره، ص 122.
30- أحمد الشقيري، "من القمة إلى الهزيمة مع الملوك والرؤساء"، بيروت، دار العودة، 1970، ص 46-50.
ــــــــــــــــــــــــــــ
* كاتبة وباحثة مصرية
* أقر مؤتمر غزة، في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 1948، تشكيل "حكومة عموم فلسطين"، كهيئة تنفيذية، لكن الشرط العربي قمع هذه المحاولة، في المهد.
* حلف بغداد: هو الحلف المركزي، الذي دعت بريطانيا إلى تأسيسه، في وجه النفوذ الشيوعي، في العلن، وإن كان في سياق الصراع المحتدم والمكتوم بين بريطانيا والولايات المتحدة، التي حاولت أن ترث الأولى في مستعمراتها، ومناطق نفوذها، ناهيك عن الهدف البريطاني المزمن، في التصدي للحركات الوطنية في الوطن العربي. وقد انضمت إلى الحلف عند تأسيسه (شباط/ فبراير 1955) كل من: العراق، وتركيا، وباكستان، فضلاًً عن بريطانيا.
هل يمكن أن يتحقق؟
مطلب إصلاح "فتح"*
ــــــــــــــــــــــــــــ
فيصل حوراني**
هذا هو السؤال الذي ما أسهل أن يجيب المرء عليه حين يأخذ في اعتباره الواقع المعاين. وهو ذاته السؤال الذي تصعب الإجابة عليه إذا استوجبت الإجابة البحث عن الأسباب التي أفرزت هذا الواقع. وفي ظنّي أنّي لو قصرت الإجابة على كلمة واحدة من حرفين اثنين فقط لقبلها معظم المنشغلين بالسؤال: ألم تتوال محاولات الإصلاح دون أن يتحقق أي إصلاح ودون أن يكف الفساد عن الاستشراء. وفي ظنّي أيضاً أننا لو تقصينا الأسباب التي أفشلت كل محاولة وأذنت بأن يتفاقم الفساد، فما أكثر ما قد نختلف؛ سنختلف في تعداد الأسباب، كما سنختلف في ترتيب أولويات تأثيرها، وستصير الإجابة بهذا صعبة.
شيء آخر يصعّب الإجابة. فأدبيات "فتح"، هذه التي تتضاءل بمضيّ الوقت وتكاد تضمحل، لا تعالج موضوع الفساد والإصلاح إلا إذا تعلق الأمر بالهجوم على الخصوم الذين يوجهون التهم، أو الإشادة بالمزاعم الإصلاحية. فنحن محرومون، إذاً، من معرفة رأي "فتح" الرسمي في هذا الموضوع. أما ما نقع عليه فنتف من آراء غير رسمية تظهر في واحد من مجالين: كتابات فتحاويين أو فتحاويين سابقين اشتكوا الفساد، وهي كتابات قليلة لم يرتق أي منها إلى مستوى البحث الشامل؛ وأحاديث المجالس، هذه التي تتداول حكايات الفساد والفاسدين فتتندر أو تنتقد ولا ترتقي إلى مستوى المعالجة التي تضيء الموضوع. والمجالان كلاهما لا يقدمان للبحث إلا التأكيد على أن الظاهرة انتشرت وأزمنت كما ينتشر ويزمن مرض عضال.
ولكي لا نسرف في صياغة النتيجة قبل التحليل، يجدر أن نحدد المقصود حين نذكر الفساد، ما هي مجالات الفساد، وكيف يؤثر كل منها في الآخر. ثم لكي لا يظل التحديد عاماً، يجدر أن نتناول ما يخصّ "فتح" فنرصد مجالات الفساد فيها، وأعراضه، حتى يتبين لنا ما الذي يحتاج إلى إصلاح، وكيف يمكن إصلاحه، وهل الإصلاح في المتناول.
هنا، أبدأ بمخالفة رأي شائع. فالفساد ليس فساد الذمم أو الفساد المالي وحده. وكلما تعلق الأمر بأطراف ناشطة في الحياة العامة، فإني أضع الفساد السياسي في مقدمة الأدواء، وأعدّه أبا كل فساد وأمه، بما في ذلك فساد الذمم. والفساد السياسي في "فتح"، كما هو في الفصائل الأخرى، ناجم من أسباب عميقة ذات صلة بالبنية الاجتماعية التي أفرزتها، وهو يمتد في مجالات عدّة يؤثر فيها ويتأثر بها.
نشهد الفساد التنظيمي، نشهد ما لحق بسلم القيم فنحي الإيجابي وأحلّ السلبي، نشهد فساد الذمم، ونرى كيف يستشري الفساد في هذه المجالات دون توقف، ونسأل: هل كان للوضع أن يبلغ هذا الحد لو لم تكن السياسة التي تؤطره فاسدة.
لا يأذن المجال بالإيغال في التفاصيل. بالرغم من هذا، يكفي استحضار العناوين. عناوين ظاهرة الفساد التنظيمي: انحلال البنية التنظيمية، غياب التراتبية، غياب الانتخابات الدورية، تطعيم نتائج أي انتخابات، التي هي قليلة ومتباعدة، بالتعيين، غياب العلاقات التنظيمية التي تنشئ السمات المشتركة وتصونها، استقطاب الولاءات بالاستزلام الشخصي لذوي النفوذ وتحديد حجوم الاستقطاب بما يوفره هؤلاء من منافع شخصية للذين يوالونهم، انفلاش جسم "فتح" وامتداده دون قواعد أو ضوابط أو حتى حدود معروفة، بهوت السمة الجمعية لكل مركز قيادي، خصوصاً المركز القيادي الأعلى الذي غابت عنه إمكانية تداول المواقع وآل النفوذ فيه إلى بضعة أشخاص وكاد ينحصر في شخص واحد، غياب تقاليد المراجعة والمحاسبة وأي شيء من هذا القبيل. فكيف لا يستشري الفساد، وكيف لا تكتسح السلبيات الإيجابيات!
الوضع التنظيمي هذا أفرزته سياسة يلائمها استبعاد أي تنظيم، فصار هو ذاته عقبة من العقبات التي تحول دون رسم سياسة مختلفة، سياسة يمكن حقاً نسبتها إلى فصيل وإكسابها شخصيته. ولا غرابة في أن السياسة تنسب في "فتح" إلى أفراد. وكلنا يعرف كيف يقال: سياسة فلان أو سياسة علاّن، وجماعة فلان وجماعة علاّن أكثر مما يقال سياسة "فتح" وفصيل "فتح". بل لا غرابة في أن تجهل "فتح" ما يرسمه هذا الفلان أو هذا العلاّن من قادتها إلا حين يجد هذا القائد أن من المفيد له كشف سياسته. ولا غرابة في أن استشراء هذه الظاهرة قد أدى إلى تغييب حضور الهيئات التي يفترض أن ترسم السياسة أو تفتيتها أو تغييب أدوارها أو تحويلها إلى أشكال يستهين معظم الفتحاويين أنفسهم بقراراتها. وإذا كان هذا هو في حد ذاته نمط السياسة الذي يخدم المتفردين الفتحاويين الكبار والصغار، فإنه هو ذاته النمط الذي أدى إلى الفشل تلو الفشل وأوقع العمل الوطني في مطبّ تلو آخر.
وفساد القيم هو الثمرة السوداء للفساد السياسي وقرينه التنظيمي. وفي الحركات العامة، الثورية وغيرها، يرتسم السلوك بهدي المبادئ التي تتبناها الحركة ويشكل الالتزام الطوعي بالقيم الملائمة للمبادئ عاملاً مركزياً في حماية هذه الحركات من الفساد. والالتزام الطوعي يكون إفرادياً في بدايته. ثم يتأطر هذا الالتزام وتشتد فعاليته مع اندغام العضو في عمل حركته ووجود سياسات وقواعد تنظيمية توجه الجميع. وحين يتوفر للأعضاء حق المساهمة في صنع السياسة واختيار قادتهم، وحين تتوفر سبل المراجعة والمحاسبة وتداول المواقع وما إلى ذلك مما يجعل أي حركة جسماً متماسكاً حول مبادئ، حين يتوفر هذا وذاك، يعلو شأن القيم الإيجابية وتضيق فرص الفساد ويتحصّن الأعضاء والحركة ضد نوازع الفساد.
في "فتح"، انتهى الأمر إلى الافتقار المريع للبناء التنظيمي، للتماسك، للسمات المشتركة التي تجمع الأعضاء حول المبادئ، للانتخابات التي تضخّ الدماء الجديدة وتبيح تداول مواقع المسؤولية. بل افتقر الأمر في "فتح" لمعيار يمكن الركون إليه في تحديد من هو عضو فيها ومن ليس عضواً، من هو الملتزم بما لها من مبادئ ومن المتفلت. وتحولت المؤسسات التنظيمية، أو تحول ما بقي منها وهو قليل، إلى ألقاب تكاد تكون بغير محتوى، ألقاب تثقل كواهل النزهاء حين لا يملكون الصلاحيات التي يشير إليها اللقب، ويستفيد منها آخرون لمراكمة المنافع الشخصية، وتتوه الأغلبية.
فهل يمكن في وضع مثل هذا الوضع إلا أن يتراخى الالتزام بمبادئ الحركة ويبهت الإيمان بالقيم الإيجابية وتغيب الرقابة على السلوك، الرقابة الذاتية والرقابة الجمعية. وبماذا سيفيد الالتزام والإيمان بالقيم الإيجابية حين يتشبث بهما أفراد وسط التحلل الواسع واستشراء روح الاستهانة بهما. ألا يبدو المتشبث بما لم تعد الأغلبية مهتمة به ساذجاً وغريباً عن السرب.
وفساد الذمم، هذا الذي تشيع وقائعه على أوسع نطاق، أليس هو النتيجة المنطقية لتضافر أشكال الفساد الأخرى. ولأن فساد هذه الأشكال واسع وعميق ومتواصل، أفليس من المنطقي، إذاً، أن تبرز ظاهرة فساد الذمم بأحط تعبيراتها. وهل ثمة ما هو أحط من السطو على المال العام أو الأملاك العامة لشعب موارده شحيحة وملكيته العامة أشح. بل هل ثمة ما هو أحط من إدارة الأعمال السوداء التي تطال قوت الجمهور ودواءه وحرياته وجماع حقوقه الفردية والجمعية وتفتك بها. وأي غرابة بعد هذا في أن تنشغل الساحة بما هو متداول من حكايات الفساد بأكثر مما تنشغل بأي شيء آخر. وهل نبالغ لو قلنا إن الفساد الذي تعددت مجالاته وأزمنت أعراضه كامن وراء عدد لا بأس به من ظواهر الاستسلام ودعوات التراخي في وجه الاحتلال الإسرائيلي وممالأة العدو، تماماً مثلما هو كامن وراء عدد لا بأس به هو الآخر من ظواهر الدوغمائية والتطرف والمتاجرة بالدم.
تحديد مجالات الفساد وأعراضه يؤشر على مجالات الإصلاح وما هو مطلوب لمواجهة الفساد. ولا يحتاج الأمر إلى مصطلحات متحذلقة أو إيغال في التفكير. فإصلاح "فتح" يحتاج إلى جهد ينشئ لها تنظيماً متماسكاً، محدد المعالم، عصريّ السمات، محكوماً بنظم وقواعد تطبق على الجميع، في المستويات جميعها، دون محاباة، نظم وقواعد ديمقراطية في المقام الأول، تجيز المراجعة الدورية والمحاسبة والمثابرة كما تجيز التفاعل الخلاق للآراء والتداول المتواتر بانتظام لمواقع المسؤولية، واحترام الهيئات من كل مستوى، وكنس ما استشرى في جسم "فتح" عبر عقود مما هو مخالف لهذا.
فإذا وجد مثل هذا التنظيم، فسيكون عليه أن يصلح نهج رسم السياسات، فيحل محل النهج الذي استشرى خطره نهجاً يحرر السياسة من مضار التفرد وأسر المزاجية الشخصية والمؤثرات السلبية الأخرى، ويحرر "فتح"، خصوصاً، من التخريب الذي تلحقه الصراعات غير المبدئية بين الأفراد والشلل على مواقع النفوذ والنفع. إن النهج المصلح هو النهج الذي يخضع إقرار السياسة إلى عملية متأنية تشمل حق كل عضو في مناقشة ما هو مطروح وحق كل هيئة في ممارسة مسؤولياتها.
فإذا تحقق هذا أيضاً، فسيكون من اللازم إعادة التأكيد على القيم الإيجابية، ومكافحة استشراء القيم السلبية، والتأكيد على أهمية الالتزام الطوعي وتنمية الإحساس به. كما سيكون من اللازم التشدد في محاسبة الفاسدين ومراقبة المرشحين للفساد وما إلى ذلك مما يفعله أي تنظيم محترم يدير سياسة يتوخى لها النجاح.
فإذا تحقق هذا أيضاً وأيضاً، فسيكون على"فتح"، المصلحة في هذا النحو الذي تخيلناه، أن تكنس آثار ما أفسدته هي ذاتها في الساحة الوطنية بعامة، في منظمة التحرير وفي السلطة. وفي هذا السياق، سيكون على"فتح" أن تعيد الاعتبار لوجود الهيئات الوطنية، التمثيلية والتنفيذية، وأدوارها في الحياة العامة، وللاتحادات التي جرى تدمير وجودها أو تفتيته أو تبهيت حضوره. كما سيكون على"فتح" المصلحة أن تعيد الاعتبار لنهج مشاركة الآخرين العمل الوطني دون تفرد أو استهانة بهم، وللديمقراطية التي ينبغي أن تحكم هذا النهج، ولمبادئ المراجعة والمحاسبة، وما إلى ذلك مما هو كثير.
نشير إلى ما ينبغي عمله، ويحضر في البال ما لم يأذن المجال بالإشارة إليه، ثم نسأل: هل ما زال في متناول "فتح" أن تفعل هذا الذي لا بد من استيفائه إن أريد لأمرها أن ينصلح، أي: هل بإمكان "فتح" أن تصلح حالها وتصلح ما أفسدته من حال الآخرين؟
على هذا السؤال، عندي أنا الإجابة التي ذكرتها في البداية، الإجابة التي ترسمها كلمة واحدة من حرفين اثنين فقط. ولدي أسبابي كي لا أعلل النفس بالأماني أو أسهم في ترويج الأوهام. وأول هذه الأسباب أن المطالبة بالإصلاح توجه إلى الحريصين على تحقيقه، وإن المندوب لتحقيق الإصلاح لا بد من أن يكون هو ذاته صالحاً، كما لا بد من أن يتمتع بالخبرة والذكاء وقوة العزيمة والاستعداد الهائل للتضحية. وإذا قال لي أحد إن أغلب ذوي النفوذ في "فتح" هم من هذا النوع وأقنعني بصواب قوله فسأبدل إجابتي للتو وأجعلها الكلمة التي من ثلاثة أحرف. لكن ما دام الحال في "فتح" هو الحال الذي نعرفه، وما دام نفوذ المستفيدين من استبعاد الإصلاح هو الغالب، فمن العسير علي أن أسهم في ترويج أي وهم.
وإذا دار الحديث على أفراد أو نوى في "فتح" يتوخون تحديث فصيلهم ويتشبثون بالمبادئ والقيم الإيجابية ويدركون أهمية إبقاء اسم "فتح" نظيفاً ومحترماً، فأنا واحد من الذين يقرون بأن هؤلاء موجودون بل لعلي واحد من قليلين يرون أن عدد هؤلاء أكثر مما يوحي به ظاهر الأمور. لكن هؤلاء، مثلهم مثل أمثالهم الموجودين خارج "فتح" أيضاً، مغلوبون على أمورهم. وفي مراقبتي لتطور "فتح" عبر عقود، لاحظت ما لست أملك أن أتجاهل دلالته وهو أن النوى التي تتشبث بالقيم الإيجابية تتضاءل أو يتضاءل دورها ونفوذها باستمرار فيما جيوب الفساد تكبر وتتمّدد.
وقد قلت قبل سنوات إن الحركة الوطنية التي نشأت في الشتات بعد 1948 وتجمعت في م.ت.ف. آخذة الآن في التلاشي، ينطبق الأمر على "فتح" كما ينطبق على سواها. واستشراء أعراض الفساد، واشتداد تكالب الفاسدين على المنافع، واستعصاء الإصلاح، والتفشيل المتعمد لكل محاولة إصلاحية، هذه جميعها وما يماثلها أدلة أخرى تؤكد على أن عملية التلاشي مستمرة.
أما القابضون على الجمر، داخل "فتح" أو خارجها، في الفصيل الأكبر أو الفصائل الأقل حجماً أو من غير المنتمين لأي فصيل، فأمامهم في رأيي سبيل واحد للإسهام في إعلاء شأن المبادئ الوطنية والقيم الإيجابية والسلوك المستقيم، ولهذا السبيل عنوان واحد: تسهيل انبثاق الجديد.
لا بدّ من أن يكون المرء أعمى بصيرة كي لا يرى هذا الجديد الذي ينبثق حتى من وسط الركام في كل مكان من العالم وفي ساحتنا الفلسطينية أيضاً. وقد تكون عملية تشكل الجديد في بدايتها، وقد لا يولد أي جديد إلا بعسر شديد. إلا أنها العملية التي تجاوزت في أماكن كثيرة خط الرجعة. وفي إمكان النزهاء الفلسطينيين، فتحاويين أو غير فتحاويين، أن يسهلوا ولادة جديدهم الذي يتشكل. ولكل نزيه أن يفعل في هذا المجال ما يتيحه له ظرفه وما يعينه عليه عزمه. وليس مهماً عندي أن يحمل الجديد اسم "فتح" أو أي اسم آخر، المهم أن تستكمل ولادة الجديد الملائم لجديد العصر.
وهنا، أصل إلى ما أرجأت الحديث عنه حتى الختام، فأقول إن الجديد المتوخى لن ينبت إلا عبر المواقف التي تجعل إزالة الاحتلال الإسرائيلي هدف أهدافها ولا تتوه عن هذا الهدف. لقد أثبتت التجربة أن ملاينة الاحتلال تبيح لسلطاته أن تضع ثقلها إلى جانب الفساد وتحول دون تحقيق أي إصلاح. كما أثبتت التجربة أن إدامة حالة الفساد السياسي والتنظيمي وغيرهما هي بالضبط ما يحتاج إليه الاحتلال لكي يعزز سطوته. وكلما تعلق الأمر بموضوع الفساد والإصلاح، فمن غير المتوقع أن يستخدم الاحتلال هذه السطوة إلا لتعميم أشكال الفساد كلها، خصوصاً السياسي منها.
في ثقافتنا أن الزبد يذهب جفاء وأن ما يمكث في الأرض هو ما ينفع الناس. وفي الأرض كثير مما ينفع الناس، وليس على الراغبين في الإصلاح إلا أن يستنبتوه.
*ورقة مقدمة إلى مؤتمر مواطن السنوي: رام الله، 18 و19/12/2003
** كاتب فلسطيني يقيم في فيينا